في نهاية التقييم النفسي للمريض المحجوز "الزامي"، نكتب جملة أصبحت بالنسبة لنا اعتيادية لكنها تحمل أبعادًا معقدة:

“المريض غير مستبصر وغير قادر على طلب العلاج.”

قد تبدو هذه العبارة غريبة للأطباء في التخصصات الأخرى، لكنها تُعَدّ من السمات الفارقة في الطب النفسي، وتُجسّد حقيقة مُرّة يعيشها المريض النفسي.

حين بدأت عملي، كنت أرد سريعًا على أي سؤال من نوع “مش بتتأثري؟” ببرود مهني:

“لا، أصل المريض في معظم الحالات بيكون في ملكوته، مؤمن تمامًا بأفكاره، ومش حاسس إنه متضايق… يمكن اللي متضايقين هم أهله و اللي حواليه، لكن هو نفسه لا.”

كنت أقول ذلك كوسيلة لحماية نفسي عاطفيًا..

لكن مع الوقت، ومع كل جلسة تحدثت فيها مع المرضى، غرقت أكثر فأكثر في هذا العالم، وأدركت أن التجربة التي يمر بها المريض النفسي مؤلمة ومعقدة بعمق.

تجلّى هذا الإدراك أكثر عندما حضرت محاضرة أشار فيها المتحدث إلى مفهوم

‏“Iatrogenic Psychological Trauma”

أو “الصدمة النفسية الناتجة عن التدخل الطبي”، وهو مصطلح يصف كيف يمكن حتى لنوايانا العلاجية أن تُلحق أذى نفسيًا غير مقصود بالمريض، خاصة عندما يُحتجز في المستشفى قسرًا، أو يُعالج رغمًا عنه، أو يُقيّد.

تذكّرت حينها أيضًا ما قرأته في علم النفس الاجتماعي عن نظرية

‏“Institutionalisation”

للعالم إرفنغ غوفمان (Erving Goffman).

غوفمان وصف كيف أن المريض النفسي، بمجرد دخوله المؤسسة العلاجية (كالـ mental hospital)، يبدأ في المرور بمراحل من “إعادة التشكيل الاجتماعي للذات” وهي عملية تدريجية يحدث فيها تآكل للهوية الشخصية كما يعرفها المريض، ويُستبدَل بها دور “النزيل” في المؤسسة.

ومن أكثر المفاهيم المؤلمة التي طرحها غوفمان هو “قُمع الخيانة” (Betrayal Funnel)، وهو سلسلة من الأحداث تبدأ غالبًا بحُسن نية، لكنها تُفضي تدريجيًا إلى تجربة شعورية مُحملة بالخذلان والانفصال النفسي:

المريض يُجلب عادةً من قِبَل شخص يثق به كأحد أفراد العائله. 

يجد نفسه فجأة في بيئة مغلقة، لا يعلم لماذا هو هناك، ولا متى سيُسمح له بالمغادرة.

يُجبر على اتباع نظام مؤسسي صارم، تُسحب منه استقلاليته و خصوصيته.

يُطلب منه تناول أدوية لا يشعر بالحاجة إليها، ويُقال له إنه مريض بينما هو يرى نفسه طبيعيًا.

قد يُقيد جسديًا، أو يُعزل، أو يُعامل كمصدر خطر وكل ذلك بالنسبة له قد يبدو كعقاب وليس علاجًا.

وهكذا، يمر المريض في هذا “القُمع”، من لحظة الثقة إلى لحظة الخيانة، دون أن يفهم لماذا أو كيف. وحتى لو لم يكن ما يحدث بقصد الإساءة، إلا أن الشعور الناتج هو شعور بالخيانة من الأسرة، من النظام، ومن العاملين في الرعاية.

غوفمان أطلق على هذه المؤسسات وصف “Total Institutions” مؤسسات تسيطر على كل تفاصيل حياة الإنسان، وتُعيد تشكيله بالكامل.

ومن منظور المريض، ما يحدث يشبه حالة من السلب الكامل للحرية والهوية و مثل ما بيقولوا "انا هفضل محبوس هنا لحد امتى"

ومع أن هذا كله قد يتم بدافع الحفاظ على سلامة المريض وسلامة الآخرين، إلا أن ما يعيشه المريض في لحظته النفسية لا يتسم بالمنطق أو الرضا بل بالخوف، بالغموض، وبانعدام السيطرة من شخص في الغالب يعاني من ضلالات الاضطهاد و التجسس الخ.. فلك ان تتخيل وقع هذا الامر عليه!!

وفي وسط هذه الرحلة، أدركت أن علاقتنا بالمريض النفسي، رغم قسوتها الظاهرة أحيانًا، تُشبه كثيرًا العلاقة بين الأم وطفلها الصغير:

نمنعه مما يحب، نعطيه دواء رغم رفضه، نفرض عليه ما لا يفهمه، كل ذلك بدافع الرغبة في حمايته.

الطفل في النهاية قد يكبر ويعي أن ما حدث له كان لحمايته.

أما المريض النفسي، فربما لا يرى أبدًا أن ما حدث كان لمصلحته.

للتواصل واتساب:

01289309997