اللقاءات العائلية لا ندخلها كأشخاص بل كتواريخ كاملة تمشي على قدمين، فالعائلة لا ترى حاضرنا بالكامل بل ترى دائما شيئا من الطفل الذي كناه...
ولهذا نشعر أحيانا بغرابة مربكة: كيف يمكن لشخص بنى حياة كاملة خارج هذا المكان أن يعود فجأة إلى انفعالاته القديمة، فمجرد مصافحة أو نظرة على مائدة مزدحمة كفيلة بأن تعيد تشغيل نسخ قديمة منا ،فأحيانا لا يمتلئ وجداننا بسبب ما قيل الآن، بل بسبب سنوات طويلة كان التعبير فيها يحمل ثمنا لا يحتمل..
كأن اللقاءات العائلية ليست تجمعات بل مسارح يعود فيها كل فرد إلى دوره القديم دون وعي، هذا يصبح الحكيم وهذا يظل الطفل وهذا يحمل توتر الجميع وهذا يختبئ خلف السخرية وآخر يقضي الأمسية كلها محاولا ألا يزعج أحدا حتى لو اختفى تماما من نفسه..
ثم تأتي تلك المواقف التي لا تقول شيئا مباشرا لكنها تحمل طبقات كاملة من المقارنات القديمة والخذلان والتوقعات والمحاولات غير المكتملة لنيل الحب أو الاعتراف، وربما لهذا نخرج أحيانا من لقاء عائلي مرهقين نفسيا دون حدث واضح، كأن الذات لم تكن تتحدث طوال الوقت بل كانت تدافع عن نفسها بصمت،
لكن أكثر ما يكشفه لقاء العائلة ليس الماضي فقط بل شكل المستقبل الذي نخاف أن نكرره دون أن نشعر فنكتشف فجأة أننا نقاوم أحيانا أن نصبح آباءنا بينما نعيد إنتاجهم في أدق التفاصيل أو نهرب من أدوار فرضت علينا قديما لنجد أنفسنا نبحث عنها لاحقا بأسماء مختلفة..
ومع هذا كله تبقى هناك لحظات صغيرة لا تحمل الصراع بل شيئا يشبه العودة لحقيقة قديمة فينا، نظرة فخر سريعة ممن لم يعرف كيف يعبر يوما أو ضحكة عابرة تجعلنا نتذكر أن الحب أحيانا كان موجودا لكنه خرج مشوها أو مرتبكا لا أكثر..
فبعض اللقاءات العائلية تعيد أيضا ما شكل رغبتنا الأولى ما جعلنا نريد أن نكون مرئيين ومحبوبين ومسموعين منذ البداية، وربما لهذا نظل نعود إليها رغم كل ما تشعله فينا، لأن الإنسان يعود إلى المكان الذي تشكلت فيه رغبته الأولى....
وربما لهذا تبقى العائلة من أكثر العلاقات تعقيدا، لأنها لا تعرفنا فقط بل تعرف النسخ التي حاولنا الهروب منها والنسخ التي ما زالت تعيش فينا رغم كل هذا النضج الظاهر ، فبعض اللقاءات العائلية لا تعيد جمع الأشخاص بل تعيد فتح البنية النفسية التي تكونا داخلها أول مرة...