هناك أغان لا نسمعها بل تفعلنا ، كأن اللحن ليس صوتا، بل مفتاحا قديما لخزانة اغلقت بسرعة، خوفا من أن يفيض منها شيء لا نعرف كيف نحتمله.

فجأة في الطريق أو في الثالثة صباحا أو داخل سيارة متوقفة أمام إشارة حمراء تبدأ جملة موسيقية صغيرة في إعادة ترتيب العالم من الداخل، لا لأنها تذكرنا بالماضي فقط، بل لأنها تستحضر النسخة التي كناها حينها، لا تستدعي الأحداث بقدر ما تستدعي الموقع النفسي الذي عشنا منه الحدث.

ولهذا قد تسمع نفس الأغنية بعد سنوات، فلا تتذكر شخصا بعينه أو موضعا أحببته، بل تتذكر كيف كنت تنظر لنفسك حين أحببته، وهنا تحديدا تعمل الأغنية كشيء صغير يحمل بقايا الرغبة، ويعيد تشغيلها دون إذن.

أحيانا تأتي كسؤال لا تقول: هل تتذكر؟، بل تقول: كيف استطعت أن تصبح هذا الشخص البعيد عن نفسك هكذا؟ كيف نجوت من كل هذا دون أن تشعر أنك حي؟ فنكتشف أن بعض الأغاني ليست حنينا بل استجوابا مؤجلا.

وأحيانا تأتي كعنوان، تضع اسما لمشاعر عشناها سنوات بلا لغة، كأن الذات كانت مبعثرة داخل انفعالات خام، حتى جاءت أغنية واختزلت الفوضى كلها في جملة واحدة، لا لأنها شرحتنا، بل لأنها رأت الشق الذي نحاول إخفاءه.

ثم هناك الأغاني التي تحاسبنا لا تمنح دفئا بل مرآة تجعلنا نرى كمية التنازلات التي سميناها نضجا، والجبن الذي ارتدى هيئة حكمة، والاحتياج الذي تنكر في صورة استقلال، بعض الأغاني لا تطربنا بل تفضح البنية التي نعيش منها، وربما لهذا نخاف أحيانا من سماع أغنية معينة، ليس لأنها مؤلمة، بل لأنها تعرف الطريق المختصر إلى شيء دفناه بإتقان، شيء لا تزال الذات تدور حوله، حتى بعد كل هذا الوقت.

لكن أخطر ما تفعله الأغاني أنها أحيانا تحقق أمنية ليس بمعناها الساذج بل بمعناها التحليلي، تعطينا للحظات صورة مكتملة للذات التي تمنينا أن نكونها، الشخص الذي لم يخف، الذي قال ما يريد، الذي بقي، الذي لم يفسد الحب بسبب رعبه منه، ولهذا تنتهي بعض الأغاني ونشعر بفقد غامض، كأننا خرجنا للتو من حياة كانت ممكنة، ربما لأن الموسيقى في النهاية لا تعيد الماضي، هي فقط تجعل الرغبة تتكلم بصوت مسموع.

ولأن اللاوعي لا يتذكر زمنيا بل انفعاليا، تصبح الأغنية آلة لاستحضار المخزون العاطفي، ذلك الأرشيف الذي لا يفتح بالكلام المباشر، فيمكنك أن تنسى وجوها كاملة، لكن مقدمة موسيقية واحدة قادرة على إعادة معدل نبضك القديم، وطريقة تنفسك، وحتى إحساسك بجسدك وقتها، كأن الذات لا تسكن الذاكرة بل تسكن الإيقاع.

وربما لهذا أيضًا نعيد بعض الأغاني بصورة قهرية، رغم معرفتنا الدقيقة بما ستفعله بنا، كأننا لا نبحث عن المتعة بل عن إعادة لمس المعني، لا لكي يلتئم، بل لكي نتأكد أنه ما زال هناك، أن شيئًا فينا لم يمت بالكامل بعد، فالتكرار أحيانًا ليس تعلقًا بالأغنية نفسها، بل بالمشهد النفسي الذي تفتحه، كأن الذات تعود كل مرة إلى نفس الباب المغلق، لا أملًا في الدخول هذه المرة، بل خوفًا من أن تجد نفسها قادرة أخيرًا على نسيانه.

وربما نحن لا نشتاق فعلًا إلى الأشخاص الذين تعيدهم الأغاني، بل إلى الوهم الذي كان يسمح لنا باحتمال العالم وقتها، الفكرة التي جعلت الحب يبدو ممكنًا، أو المستقبل قابلًا للتخيّل، أو الذات أقل انقسامًا مما هي عليه الآن، فبعض الأغاني لا تعيد الماضي، بل تعيد المعنى الذي كان يحميه من الانهيار، هي فقط تجعل الرغبة تتكلم بصوتٍ مسموع فمرة تتكلم متسائلة ومرة مفسرة و مرة واهمة، كأنها تقول ربما هذه المرة ...